عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
467
اللباب في علوم الكتاب
وقد أوضح ذلك الزمخشريّ فقال : و « أمنة » مفعول له . فإن قلت : أما وجب أن يكون فاعل الفعل المعلّل والعلّة واحدا ؟ قلت : بلى ، ولكن لمّا كان معنى : « يغشاكم النعاس » تنعسون ، انتصب « أمنة » على معنى أنّ النّعاس والأمنة لهم ، والمعنى : إذ تنعسون أمنة بمعنى أمنا . ثم قال : « فإن قلت : هل يجوز أن ينتصب على أنّ الأمنة للنّعاس الذي هو فاعل « يغشاكم ؟ أي : يغشاكم النّعاس لأمنة على أنّ إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي ، وهو لأصحاب النّعاس على الحقيقة ، أو على أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم ، وإنّما غشّاكم أمنة حاصلة له من اللّه لولاها لم يغشكم على طريقة التّمثيل ، والتخييل » . قال شهاب الدين : لا تبعد فصاحة القرآن عن مثله ، وله فيه نظائر ، ولقد ألمّ به بعضهم ؛ فقال : [ الوافر ] 2676 - يهاب النّوم أن يغشى عيونا * تهابك فهو نفّار شرود « 1 » قوله : « منه » في محلّ نصب ل « أمنة » والضمير في : « منه » يجوز أن يعود على الباري تعالى ، وأن يعود على « النّعاس » بالمجاز المذكور آنفا ، وقرأ ابن محيصن ، والنّخعي « 2 » ، ويحيى بن يعمر : « أمنة » بسكون الميم ، ونظير : أمن أمنة بالتحريك : حيي حياة ، ونظير : أمن أمنة بالسّكون : رحم رحمة . فصل [ في أن النعاس لا يحصل إلا من قبل اللّه تعالى ] كلّ نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلّا من قبل اللّه تعالى فتخصيص هذا النعاس بأنّه من اللّه تعالى لا بدّ منه من فائدة جديدة ، وذكروا فيه وجوها : أولها : أن الخائف من عدوه خوفا شديدا لا يأخذه النّوم ، فصار حصول النّوم في وقت الخوف الشديد دليلا على زوال الخوف وحصول الأمن . وثانيها : أنّهم خافوا من جهات كثيرة : قلة المسلمين ، وكثرة الكفّار ، وكثرة الأهبة ، والآلة ، والعدة للكافرين ، والعطش الشديد ، فلو لا حصول النّعاس ، وحصول الاستراحة حتّى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تمّ الظفر . وثالثها : أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن العدو منهم ، بل كان ذلك نعاسا يزيل الإعياء والكلالة بحيث لو قصدهم العدو لعرفوه ، ولقدروا على دفعه .
--> ( 1 ) البيت للزمخشري . ينظر : الكشاف 2 / 147 ، الألوسي 9 / 1786 ، حاشية الشهاب 4 / 258 ، الإنصاف 2 / 159 ، البحر المحيط 4 / 462 ، الدر المصون 3 / 402 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 506 ، البحر المحيط 4 / 462 ، الدر المصون 3 / 402 ، الكشاف 2 / 203 ، إتحاف 2 / 77 .